التصوف والحكمة



 رجال الليل : إن الليل وقت للخلوة، وقت السمر والأنس، وقت الصفاء والذكر والسكينة، وقت التجلي والتحلي والشوق، وقت الحنين، والوثبات واللمحات. رجال الليل هم رجال الأنفاس، يضيئون ظلمته بنور الإيمان ويملئون صمته بدعوات الرحمن. ولليل عند رجال الله مقام أي مقام!!! لأنهم نظروا إلى آيات الرضا فوجدوا ثناء من الخالق سبحانه وتعالى على الأخيار الأصفياء، الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع.لقوله تعالى {قليلا من الليل ما يهجعون} يقول محيي الدين ابن عربي :كان عندنا في إشبيلية رجل عابد حسن الصوت، كثير الإجتهاد، سريع الدمعة، دائم العبرة، كثير التفكر والتهجد، بت معه ليالي عدة؛ فلم يكن يفتر، فربما أسمعه بعض الأحانين ينشد بصوت طيب غرد، ودموعه تنحدر على خديه. قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ياعائشة، ألا عبدا شكورا ' ذلك هو مقام الشكر، ولليل مقامات بأسرها؛ فإن للإنسان في الليل سبحا طويلاً.              يرى محيي الدين أن الله جلت قدرته جعل الليل لأهله، مثل الغيب لنفسه. فكما لا أحد من عباد الله لايرى ولايشهد فعل الله في خلقه الحجاب الغيب الذي أرسله دونهم؛ وكذلك أهل الليل لا أحد يشهد أفعالهم مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها الله دونهم، فيقال فيهم أولياء، ولا يقولون ذلك عن أنفسهم، وإن بشروا، وجعل الليل لباس لأهله يلبسونه، فيسترهم هذا اللباس عن أعين الأغيار، ويتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب؛ لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتا، ولا يتذوق هذه الراحة والخلوة مع الله سبحانه وتعالى في الليل إلا أهلها والذين يعرفون هذا المقام، كما هو راحة للناس طبيعية؟ فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم، وإن الله تعالى - ينزل إليهم بالليل إلى سماء الدنيا، فلا يبقى بينهم وبينه حجاب كدعوة المظلوم على سبيل المثال ليس بينها وبين الله حجاب. ذلك هم رجال الليل الدين يقطعونه استغفاراً وذكرا قرآنه الحكيم، وفي الحديث أن المصلي الحاضر القلب، هو من يقف في صلاته عند التلاوة وهو يحس ان الله يسمعه. وهكذا أهل الليل يقرأون وكأنهم يستمعون إلى ربهم، يكلمهم بقرآنه، فكل آية عندهم سؤال وجواب، وذلك لون من التذوق هبة من هبات الرحمان لأهل الليل، ومقدار تلك الهبة إنما يعرفها من ذاق.                                                          يقول :اهل الليل تختلف طبقاتهم في ذلك؛ الزاهد مثلا حاله مع الله في ليله من مقام زهده، والمتوكل حاله أيضا مع الله من مقام توكله، وكذلك صاحب كل مقام، ولكل مقام لسان، وهم متباينون في المراتب بحسب الأحوال والمقامات، وأقطاب أهل الليل هم أصحاب المعاني الربانية والروحانية هم أهل الكرمات كالأولياء الأصفياء الأنقياء وهم أيضا أصحاب المعاني المجرد عن المواد المحسوسة و الخيالية، فهم واقفون معوالحق بالحق ويكرهون الباطل، فيعطى كل المعاني والمعارف والأسرار بحسب منازلهم، فهؤلاء هم حكماء القلوب، وسادة الرجال، أهل العزة والوفاء والصفاء والذكر والسمر، فإذا ادعت لك نفسك انك من أهل الليل فانظر، هل لك قدم مع من ذكر؟؟؟

تعليقات